
كانت الفنانة كريمان ترى، مازحةً وموجوعة في آنٍ واحد، أن بيت أسرتها يشبه بيوتًا قديمة عُرفت بأن أبناءها لا يعيشون طويلًا، غير أن بيتهم كان يعاني لعنة مختلفة: الخدم لا يمكثون، لأن أغلبهم جاء وفي نيته السرقة. حكاية تكررت حتى صارت أقرب إلى قدرٍ يفرض نفسه على البيت، لا فكاك منه.
تحكي كريمان في حديثها لمجلة الكواكب أن أمها كانت سيدة شديدة الطيبة، نقية القلب، تُحسن الظن بالناس إلى حد السذاجة. لم تكن تخبئ المال أو الحُلي في خزائن مغلقة، ولا حتى في أدراج محكمة، بل تترك كل شيء في متناول اليد، إيمانًا منها بأن “البيوت تُحرس بالأخلاق لا بالأقفال”. غير أن هذه الثقة تحولت إلى طُعمٍ ثمين في عيون الخدم، الذين كانوا يتناقلون أخبار البيوت: من يُبلغ الشرطة، ومن يتغاضى، ومن يمرر الأمر في صمت.
وذات صباح، استفاقت كريمان على كابوس حقيقي. كانت بين النوم واليقظة حين شعرت بيدٍ تعبث بأذنها. خادم البيت كان يحاول نزع قرطها وهي نائمة. نجح في انتزاع إحدى الفردتين، بينما تعلقت الأخرى قليلًا، وحين شدّها بقوة، استفاقت كريمان صارخة. هرع الأب إلى الغرفة، وطرد الخادم فورًا، دون بلاغ أو فضيحة، وكأن الأسرة أرادت أن تطوي الصفحة سريعًا.
لكن الصفحة لم تُطوَ. تتابع الخدم، وتتابعت السرقات. خادم يأتي، يسرق، يختفي. وآخر يعيد المشهد ذاته، حتى بات الأمر اعتياديًا، وكأن البيت صار محطة مؤقتة للصوص صغار. إلى أن جاء “حمد”.
كان حمد مختلفًا. شابًا هادئًا، محترم الهيئة، قليل الكلام. تنفست الأم الصعداء، وقالت في ارتياح: “أخيرًا ربنا عوضنا”. غير أن الاطمئنان لم يدم طويلًا. ففي أحد الصباحات، استيقظ أحد إخوة كريمان فلم يجد حمد، ولا حتى ثيابه. أيقظ أمه مذعورًا، فجاء ردها بكلمة واحدة: “الدبوس”.
كان الدبوس قطعة ثمينة، مرصعة، تُترك في درج مفتوح كعادتها. فتحت الأم الدرج، فوجدته خاليًا. هنا فقط، أدركت الأسرة أن الأمر تجاوز حدود الاحتمال، وقررت إبلاغ الشرطة.
وصل الضابط وبدأ التحقيق. سأل عن الاسم الكامل لحمد، فلم يعرفه أحد. سأل عن أوصافه، فتحدث الجميع في آنٍ واحد، كلٌّ يصفه بطريقته. ابتسم الضابط بثقة، وقال جملته التي بدت ساذجة في نظر كريمان: “اطمنوا… الدبوس هيرجع”.
وبعد ثلاثة أيام فقط، طُرق الباب. استُدعيت الأسرة إلى القسم، وهناك وجدوا حمد، ومعه أطفال صغار، ورجل في الأربعين من عمره. كشف التحقيق أن حمد مجرد ترس صغير في عصابة منظمة يقودها ذلك الرجل، تستهدف البيوت الآمنة ساذجة الثقة.
عادت الأم إلى بيتها سعيدة بعودة الدبوس، وكأن شيئًا لم يحدث. أما السؤال الأكبر: هل انتهت القصة؟
الإجابة، كما تقول كريمان بابتسامة مرة: لا.
عادت الخادمات، وعادت السرقات… وعادت “ريما” إلى عادتها القديمة.






